Page 27 - نشرة زاجل الإلكترونية - العدد 55 كانون الأول/ ديسمبر 2021
P. 27

‫‪27‬‬                                                            ‫العدد ‪ - 55‬كانون الأول ‪ /‬ديسمبر ‪2021‬‬
                                                                ‫‪zajel@dohainstitute.edu.qa‬‬
               ‫أقلام‬

‫وفي روايــة الدفــر الكبــر لأغوتــا كريســتوف‬                ‫البريـد بأنهـا سـهلة فلـاذا يطلقـون عليها اسـ ًا‬
‫يعـرض التوأمـن نموذ ًجـا لتضليـل اللغـة المحتمـل‬              ‫معقـ ًدا‪ ،‬فيجيبـه الشـاعر بـأن الأشـياء لا علاقـة لهـا‬
‫بقولهــم‪" :‬عــى التأليــف أن يكــون حقيقيًــا‪ ،‬أي‬             ‫بمسـمياتها فمثـ ًا كلمـة فراشـة تشـر إلى الكائن‬
‫أن يطابـق الواقـع‪ ،‬ينبغـي أن نصـف مـا هـو كائـن‬               ‫الصغـر الطائـر بينـا كلمـة فيـل وهـي مـن ثلاثـة‬
‫فعليًــا‪ ،‬أن نصــف مــا نــراه‪ ،‬ومــا نســمعه‪ ،‬ومــا‬
‫نفعلــه‪ ،‬الكلــات التــي تصــف الأحاســيس تظــل‬                    ‫حــروف فقــط تشــر إلى كائــن ضخــم الحجــم‪.‬‬
‫مبهمــة‪ ،‬الأحــرى إذن الإعــراض عنهــا‪ ،‬والانــراف‬            ‫وبقـدر مـا يتسـم هـذا النظـام الـذي يحكـم اللغـة‬
‫إلى وصــف الأشــياء‪ ،‬ووصــف الآدميــن" وهنــا‬                 ‫ب ُعرفيتـه وضمنيتـه يمكـن أن يحتمـل وجـود سـلطة‬
‫إشــارة إلى أن اللغــة قــادرة عــى صناعــة وعــي‬             ‫ضمنيــة عــى وعــي الأفــراد الممارســن للغــة‪،‬‬
                                                              ‫وهــي معضلــة ليــس مــن الســهل تجــاوز آثارهــا‬
                                         ‫زائــف بالواقــع‪.‬‬    ‫في فكـر الإنسـان ووعيـه ومنظـور رؤيته للأشـياء‪،‬‬
‫كــا قــد تضيــق اللغــة بالإنســان ويضيــق الإنســان‬         ‫واختـاف منظـور الرؤيـة يمكـن أن نحيـط بـه مجـا ًزا‪،‬‬
‫باللغـة فـا تفـي بمـا يعتمـل في صـدره مـن معا ٍن‬              ‫إذا مـا تصورنـا أننـا نجلـس في مـكان بزاويـة معينة‬
‫فتظــل قــاصرة عــن الوفــاء بالتجربــة الإنســانية‬           ‫فهـذا سـوف يعنـي أننـا نـرى بوضـوح أشـياء دون‬
‫بحراراتهــا وعمقهــا وكــذا جنونهــا وغموضهــا‪،‬‬               ‫غيرهـا وهـو مـا يمنحهـا فرصـة أكـر للتأثـر فينـا‬
‫وهــو مــا عــر عنــه شــعراء الجاهليــة بقــول‬
‫عنــرة بــن شــداد في مطلــع المعلقــة (أم هــل‬                                  ‫بقـدر حضورهـا في مجـال رؤيتنـا‪.‬‬
‫غــادر الشــعراء مــن مــرد ِم؟) كأننــا بــه في هــذا‬        ‫كــا تكمــن خطــورة اللغــة أي ًضــا في أنهــا فــخ‬
‫الاســتفهام يشــر إلى الحالــة التــي يشــعر فيهــا‬           ‫يمكــن أن يقــع فيــه وعــي الإنســان‪ ،‬إذا لم يتحــ َّل‬
‫الإنســان بضيــق لغتــه عــن الاتســاع لفكــره‪ ،‬وضيــق‬        ‫بالحــرص حيــال تحديــد مصطلحاتــه وألفاظــه‪ ،‬فــإن‬
‫الفكـر عـن الإحاطـة بإمكانـات اللغـة وهـي معضلـة‬              ‫هـذه الأخطـاء التعبيريـة في التحديـد قـد تُضللـه‬
                                                              ‫عــن نفســه فيقــع هــو في شركهــا إذا لم تكــن‬
                                                ‫متشــابكة‪.‬‬    ‫بالدقـة المعقولـة وإذا مـا اعتمد المبالغة أسـلوبًا‬
‫ومــن ثــم فــإن وصــف اللغــة بالخطــورة يمكــن أن‬           ‫لغويًـا نظـ ًرا لضعفـه اللغـوي‪ ،‬فـإن ذلـك قـد يـر‬
‫يُعـد مجـا ًزا تعبيريًـا عـن الوجـوه التـي يمكـن للغـة‬
‫أن تحمــل فيهــا آثــا ًرا وتجليــات خطــرة في حيــاة‬                    ‫بوعيــه بحقيقــة تجاربــه وتــوازن نظرتــه‪.‬‬
‫الإنســان مــا لم يكــن متيقظًــا وواع ًيــا لأثــر الكلمــة‬
‫التـي تـردد في نفسـه عليـه قبـل أثرهـا في الآخـر‪.‬‬
   22   23   24   25   26   27   28   29   30