Page 29 - نشرة زاجل الإلكترونية - العدد 55 كانون الأول/ ديسمبر 2021
P. 29

‫‪29‬‬                                                                                   ‫العدد ‪ - 55‬كانون الأول ‪ /‬ديسمبر ‪2021‬‬
                                                                                       ‫‪zajel@dohainstitute.edu.qa‬‬
               ‫أقلام‬

‫"إذا ضاقــ ْت بــ َك ال ُّدنيــا فــ ِ ْر"‪ .‬ضاقــ ْت بي ال ّدنيــا‪" .‬كنــ ُت‬         ‫تنه ُشـني َسـ ْو َر ُة ال ُقنـو ِط‪ ،‬فأسـتجي ُر بمـا تب ّقـى لـد ّي مـن‬
‫أَمــي فــو َق ُمن َحــ َد ٍر وأَه ِجــ ُس"‪ :‬أ ّن يهتــدي إل ّي‬                      ‫قــ ّو ٍة لعلّــه أن يَــ ْد َرأَ ع ّنــي بطــ َش اليــأ ِس‪ .‬تهفــو نَ ْفــي‬
‫اطمئنــاني؟ ذلــك الظّاعــ ُن الأبــد ُّي في قلــ ِق الحيــا ِة!‬                     ‫إلى َســكين ِة اليقــ ِن‪ ،‬و َدفْــعِ قلــ ِق الا ْرتيــا ِب‪ .‬يعتــا ُص عــ ّي‬
‫قالـوا لي‪ :‬سـينبج ُس مـن قلـ ِب المعانـا ِة معنـى! وعليـ َك‬                          ‫أن أف ّكــ َر بصفــا ِء ذهــ ٍن‪ .‬أن ألــ َج المعنــى مــن خــار ِج اللفــ ِظ‪.‬‬
‫أن تصــ َر مــن أجلــه إنســانًا! لك ّنــي إخالــه يشــي ُح بوج ِهــه‬                ‫أ ْن أتحــ ّو َل إلى طائــر ٍة مروح ّيــ ٍة عموديّــ ٍة تمســ ُح الأر َض‬
‫ع ّنـي‪ .‬سـيقولون‪ :‬نقـ ّد ُم إليـك نصيحـ ًة نفيسـ ًة‪" :‬اعتـز ْل مـا‬                   ‫وتتف ّحــ ُص مكامــ َن العطــ ِب لإصلا ِحــه‪ .‬أســتعي ُر مــن الأســد‬
                                                                                     ‫شـ ّد َة مخم َص ِتـه‪ ،‬ومـن الحمامـ ِة جنا َح ْيهـا المهي َضـ ْن‪ ،‬ومن‬
‫يؤذيـك"‪ .‬حسـ ًنا‪ :‬نصيحتكـم نفيسـة‪ ،‬ولكـ ْن مـاذا لـو كان مـا‬                         ‫ال ّنهـ ِر تج ُّمـ َد ميا ِهـه الأزل ّي‪ ،‬ومـن اللغـ ِة هويّتَهـا التائهـ َة‪،‬‬

                                          ‫يؤذينــي لا يعتزلنــي؟‬                         ‫ومــن الجبــ ِل انهــزا َم حجــ ٍر فيــه أمــا َم الريــ ِح العاويــ ِة‪.‬‬
                                                                                     ‫يغــ ّص ِبريقــي نِــزا ُل العقــ ِل والقلــ ِب‪ ،‬يجهــ ُد الأ ّول نف َســه‬
‫هــل مــن أحــ ٍد يبــ ّد ُد وهمــي في أ ّن الحيــا َة ضربــ ُة حــ ٍّظ‪،‬‬             ‫في الارتقــا ِء بمزاجــي العــ ِر‪ ،‬والثــاني يح ّضنــي عــى‬

‫وأ ّن الإنسـا َن فيهـا لاعـ ُب نـر ٍد؟! أحتـا ُج إلى ِمثْـ ِل قـ ّو ِة نبـ ّي‬        ‫الاســتكانة؛ "لا شيء يســتح ّق" يذكّــ ُر العقــ ُل‪ ،‬و "لا شي َء‬
‫اللــ ِه مــوسى عليــ ِه الســا ُم‪ ،‬تلــك القــ ّوة التــي أســعف ِت‬                                             ‫يبعــ ُث عــى الحيــاة" يــؤ ُّز القلــ ُب‪.‬‬
‫امرأتـن‪ ،‬فرجعتـا إلى أبيهـا ظُهـ ًرا والأغنـا ُم قـد ارتـو ْت!‬
‫كيــف أســقيني قبــ َل أن يحــ ّل ِعشــا ُء العمــ ِر؟ هــ ِل المصــ ُر‬              ‫أَ ُر ْو ُض هــذي ال ّنفــ َس كــا يقــول أبــو العتاهيــة أقــى‬
‫مثـ ُل بطـ ِل ق ّصـ ِة تشـيخوف الـذي عـرَ عـى قطعـ ٍة نقديّـ ٍة‬                      ‫ريا َض ِتهـا‪ ،‬عـى التقبّـ ِل والرضـا والتح ّمـ ِل وعـى ال ّشـجاع ِة‬
‫تافهــ ٍة‪ ،‬ومنــذ ذلــك الوقــ ِت لم يرفــ ْع رأ َســه عــن الأرض‪،‬‬                   ‫في مجابهــ ِة الأَقْــدا ِر‪ ،‬لكــ ْن بــا فائــد ٍة! إن يَ ْســ ُك ِن الحــز ُن‬
‫وإذا حصيلـ ُة حياتِـه أكـوا ٌم مـن الأقـا ِم والمناديـ ِل وأسـنا ِن‬                  ‫صـ ْد َر القلْـ ِب ف َمـ ْن سـيزحز ُحه عـن موض ِعـه؟ هـل يمكـ ُن أن‬
                                                                                     ‫ينف ِصـ َل الـدا ُّل عـن المدلـو ِل؟ أ َويُ ْن َقـ ُل نهـ ُر الفـرا ِت إلى غـ ِر‬
            ‫ال ّريــ ِش والأزرا ِر‪ ،‬وظَ ْهــ ٌر ُم ْن َحــ ٍن وحيــا ٌة بائســ ٌة؟!‬
‫هـل الحيـا ُة شـبك ُة صيـ ٍد؟ يتكـ ّد ُس فيهـا مـا لا يُحـى مـن‬                                          ‫مكانِــه؟ هــل هــو قــ َد ٌر؟ ألا يتغــ ّ ُر القــ َد ُر؟‬
‫الط ّيـور التـي تتـو ُق إلى الحريّـة؟ هـل يتـ ّرب م ّنـي شـ ٌّك‬
‫في الحقيقــة‪ .‬مــا الحقيقــة؟ شــم ٌس تغــر ُب ك ّل مســا ٍء‬                         ‫تسـتب ّد بي الأيّـا ُم‪ ،‬لا تكـر ُث لنـداءاتي‪ ،‬ولا تتح ّمـ ُل أن تصغ َي‬
‫غروبًــا اعتياديّــا؟ بحــ ٌر يزمجــ ُر في وجــ ِه باخــر ٍة عملاقــة؟‬               ‫إلى شــكواي‪ .‬يثــوي ف ّي جــز ٌع دامــ ٌس مــن أ ّن ال َغــ َد هــو‬
‫أليــس الأَ ْولى أن أتســاء َل كــا يتســاء ُل إميــل ســيوران‪:‬‬                      ‫اليـو ُم! إن أتي َحـ ْت لي فرصـ ٌة بـأن أجلـ َس إلى محـو ٍر أفقـ ٍّي‬
‫"أجهـ ُل تما ًمـا لمـاذا يجـ ُب فعـ ُل شي ٍء مـا هنـا عـى هـذه‬                       ‫يتقاطــ ُع معــه محــو ٌر عمــود ٌّي‪ ،‬يقيــس مــدى مــا أعانيــه‪،‬‬
‫الأر ِض‪ ،‬لمـاذا يجـ ُب أن يكـو َن لدينـا أصدقـا ُء وأمنيـا ٌت‪ ،‬آمـا ٌل‬               ‫وبـأن ألحـ َظ ذبذبـات عـذابي التـي تح ّولـت إلى نسـب ٍة يمكـن‬
‫وأحـا ٌم‪ .‬أليـس مـن الأفضـ ِل الانسـحا ُب بعيـ ًدا عـن العـالم‪،‬‬
                                                                                     ‫قيا ُسـها‪ ،‬فـإ ّن سـأره ُق عنقـي إرهاقًـا مزم ًنـا إذ سـرتف ُع‬
            ‫بمنــأى عــن ك ّل مــا يصنــ ُع صخبَــه وتعقيداتِــه؟"‪.‬‬
‫وتري ُعنـي فكـر ُة الاسـتمرا ِر في هـذا المنحـى‪ .‬تما ًمـا كـا‬                                                                       ‫أكـ َر مـ ّا ينبغـي!‬
                                                                                     ‫في إحــدى المــ ّرا ِت قــرأ ُت للنفــر ّي عبــار ًة تمثّــ ُل واقعــي‪:‬‬
                   ‫يقـ ُع حجـ ٌر مصقـو ٌل مـن ق ّمـ ِة جبـ ٍل منيـ ٍف‪.‬‬
‫وعــ ّي أن أبحــ َث عــن مخــر ٍج قُبَ ْيــ َل ال ّســقو ِط المتوقّــعِ‪ ،‬أو‬

        ‫أُســل َم نفــي إلى مصــري‪ .‬ولكــ ْن مــا المصــ ُر؟!‬
   24   25   26   27   28   29   30