Page 19 - نشرة زاجل الإلكترونية العدد 47 - شباط / فبراير 2021
P. 19

‫‪19‬‬                                                                                     ‫العدد ‪ - 47‬شباط ‪ /‬فبراير ‪2021‬‬
                                                                                   ‫‪zajel@dohainstitute.edu.qa‬‬

    ‫يسـتقر منحنـى أداء صاحـب الخـرة عنـد حاجـز معـن يصعـب تجـاوزه‬                  ‫وبالمجمـل‪ ،‬يعـد الفـرق شاسـ ًعا بـن مـن يحمـل أو لا يحمـل مؤهـ ًا‬
    ‫إلا مـن خـال‏عمليـات التدريـب والتأهيـل ‏! وبالمجمـل‪ ،‬فـإن الوصـول‬             ‫علميًــا‪ .‬فميكانيــي مكيفــات الســيارات صاحــب ‏الخــرة الطويلــة‬
    ‫لمســتوى أداء مقبــول للموظــف‪ ،‬فيمكــن النظــر للعلاقــة بــن‬                 ‫(بمؤهـل علمـي متواضـع) لديـه معرفـة بنـوع محـدد مـن مكيفـات‬
    ‫التأهيـل العلمـي بأنهـا علاقـة تكميليـة (‪ )complementary‬وليسـت‬                 ‫السـيارات قـد َخـ ِ َره وألِـف أعطالـه‪،‬‏ولكن صاحـب المؤهـل (ذي الخبرة‬
    ‫إحلاليـه (‪ ،)substitute‬أمـا الوصـول لمسـتوى أداء متميـز للموظـف‬                ‫الأقـل) لديـه معرفـة أوسـع بكيفيـة ومبـدأ عمـل المكيـف وإن اختلـف‬
    ‫يفـوق التوقعـات‪ ،‬فقـد يكـون هنـاك منط ًقـا معتـ ًرا بالنظـر للعلاقـة‬           ‫نوعــه‪،‬‏ويســتطيع أن يتتبــع المشــكلة ويعــرف الحــل‪ .‬وبهــذا‪ ،‬فــإن‬
    ‫بـن التأهيـل العلمـي والخـرة بأنهـا تنافسـية يتفـوق فيهـا التأهيل‬              ‫صاحـب المؤهـل العلمـي لديـه قـدرة أكـر عـى تشـخيص المشـكلة‬
                                                                                   ‫‏(وتشـخيصها يمثـل أكـر مـن نصـف الحـل)‪ ،‬بينـا مـن يفتقـد المؤهـل‬
                                                                        ‫العلمــي‪.‬‬  ‫يعتمـد غالبًـا عـى طريقـة التجربـة والخطـأ (‪)trial & error‬‏للوصـول‬
    ‫أرى أن ترديــد البعــض بعالمنــا العــربي لعــدم أهميــة الدرجــة‬
    ‫العلميـة (ونعنـي هنـا التأهيـل العلمـي)‪ ،‬هـو نتيجـة تـر ّدي القيـم‬                                                         ‫إلى الحـل‪ ،‬وذلـك مكلـف جـ ًدا‪.‬‬
    ‫المجتمعيـة‪ ،‬والناتجـة‏هـي الأخـرى عن السياسـات العامـة المهملة‬                 ‫الأمــر نفســه ينســحب عــى كثــر مــن الوظائــف التــي‏تتطلــب الحــد‬
    ‫لأهميــة التعليــم والبحــث العلمــي‏وضعــف الاســتثمار فيهــا في‬              ‫المطلــوب مــن التأهيــل العلمــي كالطبيــب والمعلــم والقــاضي‬
    ‫بعـض دولنـا العربيـة‪ ،‬ناهيـك عـن تفـي ظاهـرة تضخـم الشـهادات‬                   ‫وغيرهـم‪ .‬وحتـى هـذا لا يجـب‏أن يحمـل عـى إطلاقـه‪ ،‬فمـرة أخـرى‪،‬‬
    ‫"الورقيــة" بــا تأهيــل علمــي حقيقــي‪ ،‬مــا أدى بــدوره إلى الحــط‬           ‫تعــد العوامــل المتعلقــة بالوظيفــة نفســها وبالمؤسســة‪ ،‬وقــد‬
    ‫مـن قيمـة التعليـم‪ ،‬فاختلـط الحابـل بالنابـل لـدى النـاس‪ ،‬فاعتقـدوا‬            ‫ذكرناهـا سـاب ًقا‪ ،‬هـي‏التـي تحـدد متطلباتهـا مـن التأهيـل العلمـي‬
    ‫أن‏العلـم لا ينفـع‪ ،‬وتر ّسـخ بأذهانهـم أن الدرجـة العلميـة لا تسـاوي‬           ‫والخـرة المطلوبـة لأدائهـا‪ .‬وبشـكل عـام‪ ،‬كلـا زادت درجـة تعقيـد‬
    ‫شـيئًا ولا قيمـة لهـا! إن تكريـس هـذه النظـرة‏لتصبـح ثقافـة عامـة‬              ‫‏الوظيفــة أو ارتفــع موقعهــا بالمســتوى التنظيمــي‪ ،‬زادت أهميــة‬
    ‫يـؤدي إلى المزيـد مـن الغـرق بحالـة الانحطـاط والـردي العلمـي‬                  ‫توافــر المعــارف العلميــة والقــدرات الذهنيــة ‏لشــاغلها لفهــم‬
    ‫والمجتمعــي‪ .‬وذلــك مــن وجهــة نظرنــا يفــر جانبًــا مــن تأخرنــا‪،‬‬          ‫المشــكلات واتخــاذ القــرارات الصحيحــة‪ ،‬وذلــك كلــه يتطلــب تأهيــ ًا‬
    ‫فأغلــب الــدول الناهضــة أصــ ًا‪ ،‬أو تلــك التــي نهضــت مؤخــ ًرا‪ ،‬إن لم‬
    ‫يكــن كلهــا‪ ،‬كان التعليــم فيهــا‏عــى رأس ســلم أولوياتهــا‪.‬‏وفي‬                                                                           ‫وتدريبًــا خا ًصــا‪.‬‬
    ‫هـذا السـياق أتسـاءل‪ :‬إن لم يكـن للمؤهـل العلمـي ذلـك القـدر مـن‬               ‫ويمكــن هنــا‏اعتبــار العكــس صحيــح‪ ،‬فتظهــر أهميــة أكــر لعامــل‬
    ‫الأهميـة‪ ،‬إذن‏لمـاذا كل هـذه المـدارس والجامعـات ومراكـز البحـث‬                ‫الخـرة بالوظائـف ذات الطبيعـة العموميـة غـر‏التخصصيـة (وبالطبع‪،‬‬
                                                                                   ‫مـع التأكيـد عـى الحفـاظ عـى الحـد الأدنى مـن المؤهـل العلمـي‬
           ‫العلمــي بالعــالم‪ ،‬ولمــاذا كل هــذا الاســتثمار الهائــل فيهــا؟‬      ‫المطلــوب لأدائهــا)‪.‬‏والجديــر بالفهــم هنــا أن منحنــى مســتوى‬
    ‫وثمـة كلمـة أخـرة نقولهـا دائمًـا‪ ،‬أنـه لـو توافـرت لـدى الكثـر مـن‬            ‫كفــاءة وفاعليــة أداء كل مــن صاحــب الخــرة وصاحــب التأهيــل‬
    ‫الذيــن نجحــوا بحياتهــم المهنيــة فــرص التعليــم التــي‏تناســبهم‬           ‫العلمــي يســران بشــكل‏متعاكــس‪ .‬فعنــد البدايــة عــادة يكــون‬
    ‫لكانــوا أكــر نجا ًحــا‪ ،‬ولــو توافــرت لــدى الكثــر ممــن فشــلوا في‬        ‫مسـتوى أداء صاحـب التأهيـل (ذو الخـرة البسـيطة) متواض ًعـا مقابـل‬
    ‫حياتهـم المهنيـة فـرص التعليـم التـي تناسـبهم لمـا‏فشـلوا أصـ ًا‪،‬‬              ‫الأداء‏العــال لصاحــب الخــرة (ذي التأهيــل البســيط)‪ ،‬ولكــن بمــرور‬
                                                                                   ‫الوقـت‪ ،‬يرتفـع مسـتوى أداء صاحـب التأهيـل‏أضعافًـا مضاعفـة بينـا‬
              ‫ولمــا دفعــوا الثمــن تلــو الثمــن لقــاء تجاربهــم الفاشــلة‪.‬‬
   14   15   16   17   18   19   20   21   22   23   24