Page 34 - نشرة زاجل الإلكترونية العدد 49 - نيسان/ أبريل 2021
P. 34
34 العدد - 49نيسان /أبريل 2021
zajel@dohainstitute.edu.qa
أقلام
حتى لا يأكلنا الغياب
دفع الله محمد
•خريج ماجستير علم الاجتماع والأنثروبولوجيا
تبـدأ الحكايـة باختفـاء صغـر لا يلحـظ ،باحتجـاب غـر مقصـود عـن شيء مـا ،لكنـه
سرعــان مــا يتحــول إلى فــراغ مهيــب ،إلى مســاحة شاســعة يصعــب التعامــل
معهـا ،لتتسـع مـع مـرور الوقـت ،وتكـر وتكـر ،ثـم تتحـول إلى واقـع ملمـوس
لا يمكـن تجـاوزه بسـهولة ،واقـع يتمكـن م ّنـا وينخرنـا مـن الداخـل بعمـق ،ويحيـل
حضورنــا إلى غيــاب لا مفــر منــه.
القاعــدة في الغيــاب ،إن طالــت م ّدتــه تتغــر معادلــة الحيــاة بشــكل عكــي
في بعــض الأحيــان ،فيســكن البيــت الغبــار ،وتغــدو الأشــياء الأكــر لمعانًــا باهتــة
ومعدومـة البريـق والألـق ،مثـل سـاء بـا نجـوم ،مثـل كتلـة زرقـاء مـن الـاشيء
معلقـة في فـراغ مهـول ،وذلـك لأن الغيـاب الطويـل يـأكل الـروح والجسـد م ًعـا،
يحيـل الحيـاة إلى حالـة مـن الخـراب الداخـي والوحشـة ،يع ّقـد إمكانيـة الرجـوع
إلى العهـد السـابق بسرعـة ،يقلـب الموازيـن رأ ًسـا عـى عقـب ،بطريقـة تتجـى
معهــا القــوة في الضعــف ،ومــن ثــم يُــرق الضعــف فينــا كشــمس صيفيــة
حارقــة.
إن غبــت طويــ ًا عــن نــص تكتبــه ،ســتحتاج وقتًــا لتتعــرف عليــه مجــد ًدا ،ســتجد أن
غيابــك غــ ّر الأشــياء والمعطيــات وربمــا الأحــرف والكلــات ،فيبــدو النــص غريبًــا
عابثًـا ،ينخـره الغيـاب ويـأكل فيـه بصمـت نـي مجنـون .قـد تجـد أن الكلـات لم
تعــد تلــك الكلــات ،ولا الأفــكار كذلــك ،شيء مــا لــه مــذاق الســحر غيرهــا إلى
الأب ـد.
أن تغيــب عــن زهــرة أنــت ســاقيها ،هــذا يعنــي بدايــة موســم الذبــول ،بدايــة
تداعــي البتــات الملونــة وســقوطها بتلــة بتلــة عــى الأرض المغطــاة برائحــة
الغيــاب المــ ّر.
بعـض الغيـاب جميـل وحسـن ،ولكـن الكثـر منـه مـر ولا فائـدة منـه .أحيانًـا قـد
نجـد أنفسـنا مضطريـن لخـوض هـذه التجربـة ،ذلـك أنـه لا حيـاة بـدون غيـاب ،ولكـن
قبـل أن نغيـب يجـب أن نختـار بدقـة مـا نغيـب عنـه ولأجلـه ،حتـى لا نكـون وليمـة
سـائغة للغيـاب.

