نشر في: 04/03/2018

افتُتح في معهد الدوحة للدراسات العليا اليوم الأحد 4 مارس 2018 ندوة دولية بعنوان "السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط، صناعة سلام أم مفاقمة نزاعات؟ والتي ينظمها برنامج ماجستير إدارة النزاع والعمل الإنساني بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات والمدرسة العليا للاقتصاد في موسكو.

انطلقت الندوة بجلسة افتتاحية لتأطير موضوع الندوة وأهميتها والسياق الذي تأتي فيه، حيث أبرز الدكتور ياسر سليمان معالي، رئيس معهد الدوحة للدراسات العليا بالوكالة أن هذه الندوة تعد الأولى من نوعها التي ينظمها برنامج ماجستير النزاع والعمل الإنساني وبالتعاون مع أحد جامعات روسيا المرموقة، فيما سبق أن نظم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمرا دوليا حول العلاقة بين العرب وروسيا عام 2015.

ولدى حديثه عن أهمية هذه الندوة، أكد الدكتور معالي أن من شأنها مساعدة الباحثين العرب على الانفتاح على روسيا وعلى مسارات جديدة غير تلك المعتادة سواء من أمريكا أو أوروبا، وأن أهميتها تنبع ليس فقط على مستوى التوقيت ، بل كذلك من الحاجة إلى تحليل وفهم التوازنات المختلفة التي من شأنها أن تساهم في النأي بالمنطقة العربية عن الصراعات التي تتخبط فيها.

كما أشار الدكتور معالي إلى أن الهدف من هذه الندوة هو محاولة تدارس وفهم الدور الروسي في المنطقة الشرق أوسطية مع ما تعيشه من صراعات وتجاذبات بين مختلف الفاعلين الدوليين كأمريكا وروسيا وأوروبا أو الإقليميين مثل إيران وتركيا.

كما أضاف إلى أن هذه الندوة تأتي ضمن رؤية معهد الدوحة للدراسات العليا للانفتاح على مؤسسات التعليم العالي المرموقة في دولها وعلى النطاق العالمي. حيث أن المدرسة العليا للإقتصاد في روسيا هي ضمن هذه الفئة من الجامعات التي يسر معهد الدوحة التعاون معها في حقول الإنتاج العلمي والمعرفي وهي التي حققت نجاحات علمية مميزة في بلدها.

على الجانب السياسي، قال الدكتور معالي أن  ثمة أهمية للدور الروسي في التأثير بالنزاعات التي تشهدها الساحة العربية في سوريا وليبيا وفلسطين وغيرها وأن هذا الدور أثار الكثير من التساؤلات حول مساهمته في تعقيد نزاعات المنطقة او المساهمة في تسويتها وهو سؤال يبقى ذات جدل عميق نأمل أن يوفر لنا هذا المؤتمر فرصة لفهم أوضح لهذا الدور وكيف يمكن له أن يؤثر ايجابياً في نزاعات المنطقة ودفعها باتجاه الحلول القائمة على أسس العدالة والتنمية والديمقراطية البعيدة عن الاستبداد والقمع واحتلال أرض الغير بالقوة.

من جهته، أوضح ليونيد إساييف الخبير الروسي والمحاضر البارز في قسم العلوم السياسية التابع لمدرسة الاقتصاد العليا في موسكو أن أهمية هذه الندوة تكمن في الفرصة التي تتيح للباحثين وللمجتمع الأكاديمي لتبادل الخبرات الأكاديمية بين الروس والعرب، ثم مناقشة الأدوار المهمة التي تلعبها روسيا في المنطقة في السنوات الأخيرة وكذا استراتيجية روسيا في المنطقة وماهية أهدافها وكذا أولوياتها.

وتحدث الدكتور إبراهيم فريحات، الأستاذ المشارك ورئيس برنامج ماجستير إدارة النزاع والعمل الإنساني بمعهد الدوحة، عن الدور الروسي النشط والفاعل في المنطقة وخصوصا في النزاعات، مشيرا إلى أن من حيث المبدأ فإن هذا النشاط يتعارض مع حالة الاحتكار السياسي الذي مارسته الولايات المتحدة في نزاعات المنطقة. وهذا يعني نظريا أن هناك فرصة لاستفادة الطرفين الروسي والعربي من هكذا نشاط، فهو يعطي خيارات للعرب بعد الانحسار بقبول السياسة الأمريكية بالضرورة. على أرض الواقع يستدرك الدكتور فريحات أن الدور الروسي في المنطقة في الفترة الحالية بات يشكل مشكلة لدى الرأي العام العربي انطلاقا من الصورة التي باتت ترتبط بروسيا من حيث دعمها الأنظمة التي عانت منها الشعوب العربية وثارت ضدها بدءا بدعمها المطلق للرئيس السوري بشار الأسد وصولا لتحالفها مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وخليفة حفتر في ليبيا. وأضاف السياسة الروسية في العالم العربي عملت على تفاقم وتعقيد صراعات المنطقة بالنهج الذي تتبعه والمشابه لحلول "غروزني" المدمرة والمستثنية لأطراف رئيسية في النزاع. اذا أرادت روسيا ان تبني علاقة مفيدة لها وللعالم العربي فإن عليها التحالف مع الشعوب وليس مع الأنظمة المستبدة في المنطقة.

وأضاف فريحات أن هناك فرصة لروسيا لتغيير الوضع القائم وهي الطريقة التي تنهي بها النزاع في سوريا. وأن هناك طريقة للتحولات السياسية وطرق لإعادة الاعمار والتحولات التي يمكن ان تجريها وأهمها أن تشمل الممثلين الحقيقيين في النزاع وليس بتغليب طرف على آخر. ليس نموذج غروزني. تحول شامل يؤدي الى تغيير مؤسساتي بإمكان روسيا ان تنقذ ما دمرته في سوريا.

نتائج مؤشر الرأي العام العربي تكشف فجوة معرفية تجاه روسيا

و شهدت الجلسة الافتتاحية كذلك كلمة للدكتور محمد المصري، المدير التنفيذي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومنسق مؤشر الرأي العام العربي ، عرض فيها بعض النتائج المأخوذة من استطلاع للرأي العام العربي حول روسيا، حيث أبرز الدكتور المصري أن النتائج تكشف فجوة معرفية لدى المواطن العربي تجاه روسيا، فيما تتجه أغلب آراء المستطلعين إلى اعتبار أن لروسيا دور سلبي في المنطقة.

وختم المصري قوله بأن أخطر ما تكشفه نتائج الاستطلاع هو تحول الموقف العربي نحو روسيا خلال السنوات الخمس الأخيرة إلى سلبي بنفس الموقف تقريبا الذي يتبناه العرب نحو أمريكا وسياساتها في المنطقة منذ 1948.

وفي الجلسة الأولى بعنوان : روسيا في الشرق الأوسط صناعة سلام أم تفاقم نزاعات، أجاب أندريه كوروتاييف أستاذ أبحاث في معهد الدراسات الشرقية في روسيا، عن إشكالية الجلسة بأن السياسة الخارجية الروسية تعتبر صانعة السلام ومفاقمة للنزاعات في نفس الوقت، معتبرا بأن الأمر ينطبق على السياسة الخارجية لكل اللاعبين الرئيسيين في المنطقة،ولا يرى أي دور لهذه القوى بعيدا عن ثنائية صناعة السلام وتفاقم الأزمات.

وأضاف الباحث بأن الدور الذي تلعبه القوى الكبرى هو دور طبيعي في محاولة تحقيق مصالحها العليا. كما عرّج على نتائج استطلاع المؤشر العربي والتي اعتبرها مثيرة للاهتمام، وبضرورة نشرها في روسيا أكثر باعتبار أنها قد تأتي ببعض الإيجابيات في مجال فهم السياسة الخارجية الروسية.

وانطلق الدكتور محمد الحمزة  الباحث في العلاقات الروسية –العربية من منظور تاريخي، للعلاقات الروسية مع المشرق والتي اعتبرها مشرفة، حيث انه وابتداء من القرن 18 بدأ الاهتمام بالثقافة العربية في روسيا في مختلف المجالات وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بدأت مرحلة جديدة تتسم بالبراغماتية

هذا وأوضح الحمزة بأنه بعد وصول بوتين عام 2000 بدأت مرحلة جديدة، تتسم بالبراغماتية، ومن أبرز معالم هذه السياسة إعادة الاعتبار للدولة، ومحاولة بوتين العمل من أجل إعادة روسيا للساحة الدولية، كقوة عظمى، هذا وأسهب الباحث قي تبيان رؤية السياسة الخارجية الروسية، والحديث عن إمكانية استخدام القوة في الخارج، بغية الحفاظ على التنمية والتطور في الوضع الداخلي من جهة، والدفاع عن مصالحها في العالم أينما ترى ذلك ممكنا من جهة أخرى.

واختتم الحمزة محاضرته بالتساؤل عن آليات حفاظ روسيا مصالحها في سوريا ومع من ستتعامل للحفاظ على هذه المصالح؟ مبينا أنه من الضروري أن تبحث روسيا عن مصالحها من خلال صداقة مع شعوب المنطقة، وليس مع أنظمة شمولية.

قدم الدكتور ماجد الأنصاري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة قطر، خلفية عن العلاقات بين دول الخليج وروسيا.

ورأى الأنصاري أن على روسيا تعبئة الفراغ الأمريكي في المنطقة، والكسب الإستراتيجي من خلال لعب دور وسيط سياسي أكثر فعالية في الأزمة الخليجية، التي تسبّب فيها التحالف السعودي الإماراتي، الذي يسعى إلى فرض سيطرته على المنطقة".

وقال الأنصاري: إنّ "بمقدور روسيا التحوّل إلى شريك اقتصادي، والسعي مع دول المنطقة لفك ربط النفط بالغاز وتأسيس سوق للغاز مستقلة، وخلق حالة توازن، بحيث تكون ضابط إيقاع للصراعات في المنطقة".

وأضاف إن ذلك يمكن أن يحصل، في حال نجحت روسيا في تفكيك أسباب الخلاف بينها وبين دول المنطقة، بوقف دعمها المطلق لإيران، واستغلال علاقات الدول العربية والإسلامية بالمسلمين داخل وخارج روسيا، لتحقيق مصالحها، حيث يوجد في روسيا 20 مليون مسلم، وإيقاف الحرب ووقف قصف طائراتها في سوريا، لإعادة إنتاج صورتها في المنطقة التي تجاوزت في السوء الولايات المتحدة الأمريكية".

ووصف الأنصاري حالة المنطقة بأنها تبادل أخطاء بين روسيا والولايات المتحدة، منوهاً بأن التردد في السياسة كان له أثر سلبي على دول الخليج، وأحد الأخطاء الرئيسية في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة. أما الأخطاء الروسية في المنطقة فتمثلت في الإشكال الأيديولوجي المتمثل في دعم الروس للتوجهات اليسارية في العالم، علاوة على التأثير السلبي الذي أحدثه التدخل الروسي المباشر في سوريا، حيث كان الانطباع العربي عن روسيا سلبياً بدرجة واضحة. ونبّه إلى أن روسيا اعتمدت على إيران في الدخول للمنطقة، لذلك بدأ ينظر إليها من قبل بعض دول المنطقة على أنها داعمة لطرف بعينه فقط في المنطقة وليس كافة الأطراف.

ستختتم  الندوة أعمالها يوم غد الاثنين ، بجلستين، الأولى بعنوان: ما بعد الصراع في روسيا : آفاق التعاون. يتحدث فيها كل من الدكتور مروان قبلان مدير وحدة تحليل السياسات في المركز العربي للأبحاث، و الدكتور فلاديمير سازين الباحث الروسي المتخصص في إيران.  والجلسة الأخيرة الصراع العربي - الإسرائيلي: هل من آفاق لتعاون روسي خليجي في قضية فلسطين. يتحدث فيها الدكتور طارق دعنا الأستاذ المساعد في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، والمستشار الاستراتيجي الروسي يوري بارمين.