نشر في: 06/10/2021

في نقد النقديين في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية.. عن المعرفة والسلطة والهوية

​نظّم معهد الدوحة للدراسات العليا، الإثنين 4 تشرين الأول/أكتوبر 2021، المحاضرة الافتتاحية للعام الدراسي 2021 – 2022 بعنوان: "في نقد النقديين في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية.. عن المعرفة والسلطة والهوية" ألقاها الدكتور عبد الوهّاب الأفندي، رئيس المعهد بالوكالة، ونائب الرئيس للشؤون الأكاديمية. أقيمت المحاضرة في المدرج الرئيسي بمقر المعهد، بحضور أعضاء من الهيئتين الأكاديمية والإدارية، وباحثي المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وطلاب المعهد.

استهل الدكتور الأفندي محاضرته، بالنقاش حول عدد من النقاط المركزية في كتاب: "ما بعد الثورات العربية.. نحو لا مركزية نظرية الانتقال الديمقراطي" موضحًا أن الكتاب الذي كان عملًا جماعيًا مثّل نظرة نقدية للعلوم الاجتماعية بشكل عام، والعلوم السياسية ونظريات الانتقال الديمقراطي على وجه الخصوص.
وأضاف إنه طرح كثيراً من الأسئلة المهمة التي تتمحور حولها رسالة معهد الدوحة للدراسات العليا، بداية من التوفيق بين الالتزامات الأخلاقية تجاه مجتمعاتنا ومنطقتنا من جهة، وبين الصرامة العلمية في أبحاثنا من جهة أخرى. كذلك الموازنة بين الأخذ بالإيجابي من الرصيد العالمي للعلوم الاجتماعية والإنسانيات، وبين النضج المعرفي والمساهمة الأصيلة في تطوير هذه العلوم وإثرائها عبر دراسات متعمقة وقابلة للتعميم. وهذا ما سعى الكتاب المذكور لتطبيقه عمليًا.
وقال دكتور الأفندي إن الكتاب يسير على نهج أدبيات نقد الاستشراق، الذي كان إضافة عربية المنشأ، عالمية التأثير، للعلوم الاجتماعية والإنسانيات. إلا أن الرؤية النقدية التي تبنيناها، وتجلت كذلك في نقد الاستشراق، تطرح تحديات كبرى ومزالق خطرة، لأنها تتحدى الرؤية العلمية الحديثة التي تطرح نفسها أساساً على أنها في الأصل نظرة نقدية تمحيصية للمعهود السائر من المعارف والعقائد. فالمناهج العلمية الحديثة تشترط الامتحان العسير لكل مزعم علمي، وعرضه على امتحانات التجريب والتمحيص. فمن أين إذن يجد المنطق النقدي نقطة ارتكاز أرخميدية خارج هذه المنظومة يسائلها ويكذبها منها؟ ورغم أ، تخصصات العلوم الاجتماعية ليست بمنأى عن التحيزات المختلفة، سواء أكانت سياسية وعرقية ومصلحية أو حتى مزاجية، لكنها تتطور وتنقد نفسها. وضرب لذلك مثلاً بتخصص العلوم السياسية في نسخته الأمريكية، حيث بدأ مرتبطاً بالهوية الأمريكية العرقية-الدينية، وكان ينضح بالعنصرية، ولكنه تخلص من بعض تلك الرواسب عبر مؤثرات عدة.

وبعد أن تناول مزايا وإشكالات النظرة النقدية كما تجلّت في مدرسة فرانكفورت ذات التوجه الماركسي المعتدل، أو عند فلاسفة يساريين (مثل ميشيل فوكو) وليبراليين (مثل توكفيل وريتشارد رورتي) من حيث ربطها المعرفة بإكراهات السلطة أو قيود الهوية، استشهد بنقطة أثارها عزمي بشارة في محاضرة سابقة حول ضرورة أن يكون النقد العربي للعلوم الغربية علميًا، وليس أيديولوجيًا.
ذلك أن إمكانية المعالجة النقدية للخطاب الاستشراقي ولفرضيات الهيمنة في العلوم الاجتماعية في منشئها الغربي تحققت بسبب تطور العلوم نفسها، لأن الافتراض الكامن خلف النقد ذاته هو تصور لما ما لما يجب أن يكون عليه البحث العلمي، أو على الأقل ما يجب ألا يكون عليه. فنقد العلوم يجب أن يكون علميًا، بل أكثر علمية مما ينقده، مضيفًا (نقلًا عن عزمي بشارة) أن العرب يجب ألا يكتفوا بنقد الهيمنة أيديولوجيًا، تاركين العلم للقوى المسيطرة، مما يفرض أن نبقى عالة على إنتاجهم العلمي. بل علينا أن ندرك أهمية إنشاء نظريات في العلوم الاجتماعية عربياً لكي تكون لنا مناهجنا، التي قد تصبح بدورها كونية ينتقدها الآخرون ويستفيدون منها ويبينون عيوبها.

كما أن هناك أهمية لإنشاء نظريات في العلوم الاجتماعية عربيا لكي تكون لنا مناهجنا، التي قد تصبح بدورها كونية ينتقدها الآخرون ويستفيدون منها ويبينون قصورها. النقد الأيديولوجي مشروع بالطبع، ولكن علينا ألا نسلم بأنه النقد الوحيد المتاح للخاضعين للهيمنة؛ لا يجوز أن من منطلقات أيديولوجية فحسب من جهة أخرى".

هذا، وشهدت المحاضرة التي أدارها السيّد علي الكعبي مدير إدارة الاتصال والعلاقات الخارجية، أسئلة ومداخلات مهمة عن نقد مدرسة الاستشراق وطبيعة المعرفة العلمية، والتمييز بين عالم الحقائق وعالم القيم وغيرها.
يشار إلى أن هذه المحاضرة الافتتاحية الخامسة في سلسلة المحاضرات الافتتاحية السنوية التي ينظمها المعهد. حيث ألقى الدكتور وجيه كوثراني، الأستاذ الزائر في برنامج ماجستير التاريخ بالمعهد، المحاضرة الافتتاحية الرابعة للعام 2020 – 2021، وكانت المحاضرة الافتتاحية الثالثة للعام 2019-2020 قد ألقها الدكتور أحمد دلال عميد جامعة جورج تاون في قطر، بينما ألقى الدكتور فهمي جدعان، أستاذ زائر في برنامج الفلسفة، المحاضرة الافتتاحية الثانية للعام الأكاديمي 2018-2019. أما المحاضرة الأولى للعام الأكاديمي 2017-2018 قد ألقاها الدكتور عزمي بشارة، رئيس مجلس أمناء معهد الدوحة للدراسات العليا.