نشر في: 26/07/2018

أهنّئكم جميعًا. أُهنّئ الخريجين وذويهم، وأساتذةَ المعهد وطاقمه الإداري، وكلَّ من دعم ويدعم هذا المعهد متألّقًا في حرمه الجامعي البهيّ. راجيًا لكم جميعًا استمرار التقدُّم والازدهار وراحة البال، في هذه المنطقة من العالم العزيزة على قلبي وعلى قلوبنا جميعًا؛ والسلام عليكم!

أيها الحضور الكرام،

يسرّني أن أخاطبكم بمناسبة حفل تخرّج الفوج الثاني من طلاب معهد الدوحة للدراسات العليا. وإنّه لشرف لي أن أكون أوّل ضيفٍ يخاطب فوجًا من خريجي هذا المعهد الذي يُعدّ فريدًا من نوعه، حسب ما أعرف، في منطقة الخليج وسائر أقطار الوطن العربي.

إنّ تميّز هذا المعهد لا ينبع من كونه الأوّل الذي يختص في الدراسات العليا فقط، بل الأوّل في تخصُّصِه في العلوم الاجتماعية والإنسانية بأوسع معانيها. إن هذه العلوم قريبة إلى نفسي كمؤرّخ وباحث في تاريخ هذا الجزء من العالم؛ فقد قضيت حياتي في دراسته وتدريسه، وفي البحث في جوانب متشعبة من قضاياه. وبحكم موقعي كأستاذٍ في الدراسات العربية في جامعات الولايات المتحدة الأميركية، فإني أعلم حجم الضغط الذي تتعرض له العلوم الاجتماعية والإنسانية في بلادي، وفي مناطق أخرى من العالم. إنّ إنشاء معهد كهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلّ على اهتمام قطر بهذه العلوم التي نحن بأمَسِّ الحاجة إليها في زماننا هذا. فهنيئًا لكم على هذا المعهد.

تربطني، أيها الحفل الكريم، بقطر ومنطقة الخليج علاقات وثيقة تعود إلى ثلاثة عقود. فقد زرتُ قطر لأول مرة عام 1988، عندما دُعيتُ إلى إلقاء محاضرة حول السياسة الخارجية للرئيس الراحل رونالد ريجان. وما زلت أذكر ساعة اقتراب الطائرة من مطار الدوحة القديم، ورأيت حينها اللون الأزرق الفيروزي الفاتح لمياه الخليج. كانت الدوحة في حينها مدينة صغيرة وادعة، وكان إجماليّ الناتج المحلي في حينها يبلغ 5 مليارات دولار.  وكانت فيها جامعة واحدة، هي جامعة قطر التي تعد الجامعة الأمّ لنهضة قطر التعليمية. وقد حاضرت في حينها في الجامعة، وما زلت أذكر حماسَ طلابها، وخصوصًا طالباتها، في مُحاورتي. كانت هذه البدايات مؤشّرات على نهضة تعليمية قادمة نُعايِنُ نتائجها اليوم، وفي هذه الليلة السعيدة، من خلال معهد الدوحة للدراسات العليا. أين نحن اليوم من أول مدرسة حديثة للبنين أُنشِأت في قطر عام 1948، ومن أول مدرسة للبنات أُنشِأت فيها عام 1956.

وقد راقبْتُ، عن بُعْدٍ، وعن قُرْب أيضًا، تَطوّرَ مؤسسات التعليم العالي في قطر على مدار العقود الثلاثة الماضية. ولا يستطيع المراقب إلّا أن يُدهَشَ لِتنوّع مؤسسات التعليم التي تعمل فيها. فهناك فروع لجامعات أميركية وبريطانية وهولندية وغيرها، تقف جنبًا إلى جنب مع جامعات وطنية؛ لتعملَ جمعيها جاهدةً في تكوين جيل من الشباب القطري والمقيم على هذه الأرض الطيبة، القادر على المشاركة في تنمية مجتمعاتهم. واسمحوا لي أن أشير هنا إلى سعادتي عندما علِمتُ أن الجامعة التي تخرجت فيها في درجة البكالوريوس، جامعة نورث ويسترن، تشارك في تكوين هذا الشباب هنا.

وتجدر الإشارة هنا إلى دوْر المركز العربيّ للإبحاث ودراسة السياسات كمؤسسة رائدة في إنتاج البحوث وفي إطلاق مشاريع متميزة. فهناك المؤتمرات التي تعالج قضايا متواترة وعلى غاية من الأهمية في المنطقة العربية. وهناك المؤشّرُ العربيّ الذي يستطلع آراء المواطنين العرب بعناية فائقة، وفي هذا خدمة لنا نحن الباحثين الأجانب الذين نسعى للتعرّف إلى مسارات القضايا الراهنة في المنطقة العربية. وهناك أيضًا مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربيّة الذي ننتظر نتائجَه جميعًا بفارغ الصبر. وفضلًا عن هذا كله، يجب أن نشير إلى إصدارات المركز ومجلاته لأنها إضافات نوعية لمشروع يخدم كلَّ محبٍّ للعلم.

 ولا يستطيع المراقب أيضًا إلّا أن يُدْهشَ لموقع قطر المتميّز إعلاميًا. من كان منّا يستطيع أن يتنبّأ في ثمانينيات القرن الماضي، عندما زرت هذه البلاد أول مرة، أنّ قطر ستكون سبّاقةً في مجال الإعلام في العالم العربي؟ الجواب: لا أحد. لكن ما كان غائبًا أصبح حقيقة. وكمؤشر على هذا الإنجاز، تقع شبكة الجزيرة في موقع متقدّم إعلاميًّا على مستوى العالم. فمن بينِ أربعين ألفًا من المؤسسات الإعلامية في العالم، تقع هذه الشبكة في المركز الثلاثين.

أيها الحضور الأفاضل،

كما ذكرت سابقًا، لقد زرت قطر مرَات عديدة، آخرها زيارتي هذه السنة لقضاء إجازة دراسية في جامعة قطر. وحاضرْتُ خلال هذه الزيارات في معهد الدوحة للدراسات العليا، وفي جامعة جورج تاون، وغيرهما. وشاركت في مناظرات الدوحة التي كانت تشرف عليها مؤسسة قطر. وكنت أيضًا ضيفًا على منتدى الجزيرة عام 2015 في مؤتمره حول الصراع والتغيير في العالم العربي. لقد سَمَحتْ لي كل هذه الزيارات والمشاركات أن أطّلع عن قرب على تنامي قوّة قطر الناعمة. صحيحٌ أن المصادر الطبيعية والمساحة الجغرافية وعدد السكان والعتاد مصادر قوة للشعوب والأمم، لكنّ العلم والإعلام والدبلوماسية المتنوّرة والعمل الخيري في مساعدة الشعوب هي أيضًا مصدر من مصادر القوة للشعوب والدول كما يتكشّف لنا أيام الشدائد.

إنّ نهضة تعليمية كالتي اطَّلعتُ عليها هنا طوال ثلاثة قرون لا يمكن أن تنتجها الصدفة. إنّها نتيجة الإرادة ونتيجة التخطيط. والسؤال الذي يواجهنا هنا هو سؤال الاستدامة. كيف تستمر هذه النهضة؟ والجواب لا شك يدور حول استدامة الإرادة على مستوى القيادة، واستدامة المشاركة الفاعلة والمتجدّدة على مستوى الشعب وكل من يقيم على هذه الأرض. إنّ نجاح نهضتكم هو نجاح لكم في المقام الأول، لكنه أيضًا نجاح لكل من يرى أنّ رفاه العالم لا يمكن أن يقوم على منطق النصر والهزيمة بين الشعوب.

أيها الخريجون،

إن نجاحكم فيما كنتم تسعون إليه من إنجاز علمي هو مصدر قوة ناعمة لكم أيضًا. وبما أنكم نتاجٌ لقوة ناعمة على هذه الأرض أساسُها العلم، فإننا نتوقع منكم أن تكونوا سفراء لمعهدكم ورسالته ورؤيته.  وأؤكد لكم من خبرتي الشخصية أن كل مرحلة من مراحل تحصيلكم العلمي ستبقى لها في النفس حلاوة. لقد أقمتم في رِحاب معهدكم عامين. ولقد عَقدْتُم الصداقات فيما بينكم. فأرجو أن تحافظوا على هذه الصداقات التي لا شك لديّ أنها أثْرَت تجربتكم في المعهد، فأعطت لهذه التجربة قيمةً مضافةً تتخطى ما اكتسبتم من معارف ومهارات عمليّة في تخصّصاتكم. وتذكّروا دائمًا أن الصداقات ترتبط بالمكان، وأنّ للمكان عليكم حقّ الوفاء له، فتصبحوا بذلك من الذين إذا وعدوا أوْفوا.

 أيها الحضور الكرام،

أهنّئكم جميعًا. أُهنّئ الخريجين وذويهم، وأساتذةَ المعهد وطاقمه الإداري، وكلَّ من دعم ويدعم هذا المعهد متألّقًا في حرمه الجامعي البهيّ. راجيًا لكم جميعًا استمرار التقدُّم والازدهار وراحة البال، في هذه المنطقة من العالم العزيزة على قلبي وعلى قلوبنا جميعًا؛ والسلام عليكم!

البروفيسور خوان كول،

الدوحة

3 حزيران/ يونيو  2018