نشر في: 5/16/2019

معالي الشيخ عبدَ الله بن ناصر آل ثاني رئيسَ الوزراء وراعي الحفل،

أصحابَ السعادة،

زميلاتي وزملائي أساتذةَ معهدِ الدوحة وطاقَمَهُ الإداري،

خرّيجي الفوجِ الثالث،

ضيوفَنا الكرام،

أيّها الحفلُ الكريم؛

 

أَسعدَ اللهُ مساءَكم بالخيرِ والبرَكة، والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه،

نَحتفِلُ اليومَ بتخريجِ الفوجِ الثالث من طلبةِ معهَدِنا، وكلُّنا أملٌ أنْ يكونَ هذا الفوجُ من شبابِ العربِ الباحثينَ، الذين أَعَدُّوا أنفسَهم للوفاءِ برسالةِ المعهد، من خلالِ ما حقَّقوه في مسيرتِهم العلميةِ والتدريبيةِ على مَدارِ عامَيْنِ حافِلَيْن بالخِبْراتِ والتَّجارِب. كما نَتطلَّعُ أيضًا إلى انخراطِ طُلَّابِنا في هذا الفَوْج، في قواطرِ التنميةِ والتمكينِ في مُجتمَعاتِهم؛ ليُحقِّقُوا تطلُّعاتِ أوطانِهم في بناءِ مجتمعاتِ المعرِفةِ القائمةِ على الفكرِ النّاقدِ، المتجذِّرِ في أرضِه، في زمنٍ تَتداخلُ فيه العُلومُ والمعارفُ بسُرعةٍ هائِلة.

طلابَنا الأعزَّاء،

أنتُمْ الآنَ على أعتابِ مرحلةٍ جديدةٍ في حياتِكم تتطلَّبُ منكُمْ وقفةَ تأمُّلٍ ونظرةَ أمَلٍ. جئتُمْ إلى هذا البلدِ المِعطاءِ بهَدفِ الدِّراسةِ، فاحْتَضنكُم بكلِّ ترحيبٍ ورِعاية. تعرَّفتُمْ إلى أهلِه الكِرام وخَبِرْتُم فيهم طِيبَ الودِّ وجميلَ العَطاءِ. فلِهذا المكانِ حَقٌّ عليْكُم بِرَدِّ الوِدِّ إليه. ولِوطنِكُم العربِي الكبيرِ حقٌّ عليْكم أيضًا في هذا الإقليمِ وخارِجَه. فقدْ فقد جلستُم على مقاعدِ الدِّراسة مدّةَ عامَيْنِ كاملَيْن. وفَكَّرتم في تكامُلِ الوطنِ العربيّ من محيطِه إلى خليجِه. وتَناقَشْتم حولَ مَآلاتِ التحوُّلِ الديمقراطي. وشارَكَكُمْ في هذهِ الهمومِ والاهتماماتِ طُلّابٌ ينطقُونَ بالعربيةِ من بلادٍ لا تنطِقُ بها، وفَعلوا ذلك بطَلاقةِ لِسانِ أهلِها التي اعتمَدْناها في معهَدِكمْ لُغةَ تفكيرٍ وتدريسٍ وإنتاجِ معرِفة. وقد أنتجتُمْ فيما بيْنَكم جميعًا لغةَ تخاطبٍ عربيةٍ وُسطى تتجاوزُ اللَّهجاتِ المحلّيةَ، مِنْ دونِ أنْ تُقاطِعَها. وبكلِّ هذا كنتُمْ، دُونَ صخَبٍ، تُحَقِّقونَ رُؤيةَ المعهدِ العُروبيّةَ التي تَنطلِقُ مِنْ هنا وتمتَدُّ إلى كلِّ "هناك" دُونَ انْقطاعٍ.       

ويَحِقُّ لكُمْ يا طلّابَنا الأعزَّاءَ أنْ تَفخَرُوا بما حقَّقَه معهدُكُمْ مِن تطوُّرٍ خلالَ أربعِ سنَواتٍ حافِلةٍ بالعملِ الدَّؤُوبِ، سَهِرَ عليها أساتذةُ المعهدِ وإداريُّوه على كلِّ المستوياتِ، وحَرِصَ على مسيرةِ هذا التطويرِ مجلِسُ أُمناءَ يَرْعى ويُشرِّعُ ويُراقِبُ من مُنطلَقِ الخِبرةِ مَحليًّا ودوليًّا. إنَّ تَضافُرَ هذه الجهود في بِناءِ معهدِنا هو الذي شجَّعَنا على أَنْ نُطلِقَ حزْمةً من البرامجِ الجديدةِ التي قدَّرْنا أنَّ مجتمعاتِنا في أمَسِّ الحاجةِ إليْها. وفي هذا الإطارِ أطلَقْنا قبلَ عامَيْن الماجستيرَ التنفيذي في الإدارةِ العامّة؛ وها نحنُ اليومَ نحتفِلُ بثاني فوْجٍ من خرِّيجِيه، وجُلُّهمْ قياداتٌ قطريةٌ متميِّزةٌ نحنُ في أشدِّ الحاجةِ إليها في مساندةِ مساراتِ التطويرِ المختلِفةِ على هذه الأرضِ الطيِّبة. وكُنَّا أيضًا قد أَطلقْنا برنامجَ العملِ الاجتماعي وعِلمِ النفس الاجتماعي والصِّحافة في الوقتِ نفسِه، وها نحنُ اليومَ نَجنِي ثِمارَ ما زَرعْناه بتخريجِ الأفواجِ الأُولَى مِن المتخصِّصينَ في هذه المَجالاتِ والذينَ سيُشارِكونَ في تَنميةِ مجتمعاتِهم العربيةِ بالرُّوحِ التي نَرْجُوها مِنْهم ولَهُمْ.

وقَدْ أَطْلَقْنا هذا العامَ برنامَجَ عِلْمِ النفسِ الإكلينيكي والبرنامجَ المزدَوَجَ في الإدارةِ العامّةِ وإدارةِ الأعمالِ بالاشتِراكِ مع المدرسةِ الأوروبيّةِ لإدارةِ الأعمالِ والتكنولوجيا في برلين. وسنَكونُ في العامِ المُقبِلِ على موعِدٍ معَ خرِّيجي هذَيْنِ البرنامَجَيْن؛ لنَحتَفِيَ بهِم ونَضُمَّهُمْ إلَيْكُم خرِّيجينَ أَوفِياءَ لرِسالةِ مَعهدِكُمْ. وسنُطْلِقُ العامَ المقبِلَ برنامجًا جديدًا في الدّراساتِ الأمنيّةِ النقدية؛ هذا البرنامجُ الذي ترشّحَتْ للقبولِ فيه أعدادٌ كبيرةٌ من طُلّابِ قطَرْ والخليجِ العربي. ونحنُ الآنَ في المراحلِ الأخيرةِ للتقدُّمِ بالحصولِ على ترخيصٍ من وزارةِ التعليمِ والتعليمِ العالي لإِطْلاقِ برنامَجٍ جديدٍ في حُقوقِ الإنسان، والذي نَتوقَّعُ له نجاحًا كبيرًا؛ لِحاجتِنا إلى مختَصِّينَ في هذا المَجالِ، في هذه اللّحظةِ الحَرِجةِ في تاريخِ أُمَّتِنا العربيّة.

ولا بُدَّ أَنْ أُشِيدَ هنا بمِهَنِيّةِ العَلاقةِ وحِرفيَّتِها التي تربِطُنا بفريقِ التّرخيصِ والاعتِمادِ في وزارةِ التعليم والتعليمِ العالي، إذْ نَعتقِدُ أنَّ المعهدَ بمِهنيَّتِه واحترافيّتِه المَشْهودِ لها من قِبَلِ هذا الفريقِ يُشاركُ في بناءِ مَنظومةِ الاعتمادِ وضَمانِ الجَوْدةِ في دولةِ قَطر. ونَعتزُّ أيضًا بِشَراكتِنا مع صُندوقِ قطر للتنمية، الذي يُساهمُ في رَفْدِ التنمية عربيًّا برعايَتِه لطلَّابِ المعهدِ الوافدينَ مِنْ مختلفِ  أنحاءِ العالَمِ العربي ويُعطي أهميةً كبيرةً لطلّابِ مناطقِ النِّزاع، وما أكثرَها، للأسفِ الشديد في وطنِنا الكبير!   

ويجبُ عليَّ في هذا السِّياقِ، سياقِ الفَرْحةِ بآخِرِ الإنجازاتِ وتطلُّعي بأملٍ لما هو مُقبِلٌ منها، ألَّا أَنسى أهميةَ ما بَنَيْناه منذُ لحظةِ التّأسيس. فاهتمامُ المعهدِ بالعُلومِ الاجتماعيةِ والإنسانيةِ، في زمَنٍ تكادُ تَكونُ هذه العلومُ في مجتمعاتِنا العربيةِ، خاصةً المشرقيةَ منها، في العنايةِ "اللّامُركَّزَة"، اهتمامٌ لا نَظيرَ له. فالمعهدُ يمكِّنُ لهذهِ العلومِ انْطلاقًا من إيمانِه الراسخِ بأنَّ المجتمعاتِ الإنسانيةَ في حاجةٍ إليها؛ لتَضْمنَ لنفسِها صحّةً متوازِنةً، لأنَّ التنويرَ والتطويرَ اللَّذيْنِ تنشُدُهما كلُّ المجتمعاتِ لا يُمكنُ أَنْ يَتحقَّقَا بالاعتمادِ المتطرِّفِ على العُلومِ التطبيقيةِ، على أهمّيتِها، في تنمِيَةِ المجتمع.

ويجبُ ألَّا نُبالِغَ، من جهةٍ أُخرى، في تَحيُّزِنا لِمَا أُسمِّيهِ العلومَ البحتةَ في دراسةِ المجتمَعِ والإِنسان، كالفلسفةِ والتاريخِ وعلْمِ الاجتماعِ والاقتصادِ وغيرِها. فنحنُ في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى التخصصاتِ البينيَّةِ، وفي حاجةٍ ماسّةٍ أيضًا إلى علومِ الإدارةِ لنُطوِّرَ عملَ مؤسساتِنا التي تَرْعى نَماءَ مجتمعاتِها، وتَعملُ على تنمِيَتِها على أُسسٍ مُقنَّنةٍ وبمُمارساتٍ شفَّافةٍ. وقَدْ أخذَ المعهدُ على عاتقِه الانخراطَ في هذا الميدانِ إِيمانًا منه بأنَّ الأبراجَ العاجِيَّةَ لا يُمكِنُ لها أَنْ تَصمُدَ في ساحاتِ التطوُّرِ والبِنَاء.

أيُّها الخِرِّيجُون،

أُهنِّئُكمْ وأشُدُّ على أياديكُم، وأَتمنَّى لكُمْ مستقبَلًا زاهِرًا، وأُوصِيكُمْ بأنفسِكُمْ وبأهْلِيكُمْ وبأوطانِكُمْ وبمَعْهدِكُمْ خَيْرًا. واجْعلُوا نِبراسَكُمْ ما أَوْصاكُمْ به الحَقّ ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. صدق الله العظيم، والسّلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.

 

الأستاذ الدكتور ياسر سليمان معالي

رئيس المعهد بالوكالة

28 نيسان/ أبريل 2019