نشر في: 6/6/2018

أهنئكم بنجاحكُم مجددًا. وأهنئ أهليكُم ومحبّيكُم؛ من حضر منهم هنا، ومن يراقبكم من هناك بفرحة غامرة.

أصحاب السعادة،

زميلاتي وزملائي أساتذة معهد الدوحة وطاقمه الإداري،

خريجي الفوج الثاني،

ضيوفنا الكرام،

 

أيها الحفل الكريم

أسعد الله مساءكم بالخير والبركة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

 

نحتفل اليوم بتخريج الفوج الثاني من طلبة المعهد بفرح وبروح من الأمل تحدونا بأن هذا الفوجَ سيواصل مسيرتَه العلميّة والعمليّة، متسلّحًا بالمعارف والمهارات التي اكتسبها على مدار عامين كانَا، ولا شك عندي في ذلك، حافلَين بالتجارب والخبرات التي نأمل أن تكون نبراسًا يضيء له الطريق نحو مستقبل نرجو أن يكون زاهرًا لكل طلاب هذا الفوج وأهاليهم وأوطانهم.

هذه اللحظة على غاية الأهمية بالنسبة إلى خريجينا؛ ليس لأنها لحظةُ نهاية تتلوها بداية، بل لأنها أيضًا لحظةُ تأمّلٍ لكم يا طلابَنا الأعزّاء، ولنا أيضًا أسرةَ المعهد. لكم، لتفكروا في ثنايا تجربة جمعتكم مع أقرانٍ لكم من الوطن العربي وخارجه، في صرح أكاديمي احتضنته قطر، قيادةً وشعبًا، برعاية الأم الحانية، التي تحرص على الجمع بين فلذات أكبادها، مهما تباعدت المسافات ومهما تعددت المنابت. ولنا في أسرة المعهد، بمجلس أمنائهِ وأساتذتهِ وإداريّيهِ، لنتأمل نموَّ بذرةٍ كانت في الأمس حلمًا، وأصبحت اليوم واقعًا ملموسًا. فها هو الفوجُ الثاني يقف أمامَنا جميعًا ثمرة إنجازٍ في حياة هذا المعهد الناشئ، برسالته النهضوية العروبية التي تشمل، وتتجاوز، شعارًا طالما سمعناه وردّدناه: "من الخليج إلى المحيط"؛ وهذه الرسالة التي ترفض أيضًا منطق الأحادية بكل أشكالها العنصرية والثقافية؛ لتنعتق منها إلى أفاقٍ جغرافيةٍ وإنسانيةٍ أرحب.

فطلابُنا الخريجون هم قطريون وخليجيون وعرب بكل تنغيماتهم الثقافية التي تجمع ولا تفرِّق. وطلابنُا الخريجون هم أوروبيون وأفارقة بكل أطيافهم الجميلة والمتداخلة. والبيت المعهدي عامرٌ بهم جميعًا، يصهرُهُم في بوتقتِه ويصهرونَه بوحيٍ من تجاربهم فوجًا بعد فوج؛ ليزيدَهم ويزيدونَه تجذّرًا في أرض تنتظر؛ لترتوي وتستمرَّ في العطاء والتميّز بثقة المتسلّح ليس فقط بما يعرف، بل أيضًا بإدراكه أنّ هناك الكثيرَ الكثيرَ مما لا يعرف؛ إنّ هذا الإدراكَ بحجم ما لا نعرف، وتناميه، لَهُو المحفّزُ لكم ولنا على الاستمرار في مسيرة العلم والتعلّم من المهد إلى اللحد.

 لقد عملتُ في جامعات تغوص في تاريخٍ بعيدٍ عُمُرًا وإرثًا. ولقد سَعِدت بتخريج أفواجٍ متعاقبةٍ من طلابي فيها على مدارِ عقودٍ من الزمن؛ طلابٌ وفَدوا إلى هذه الجامعات من أصقاعٍ مختلفة. لقد كانت فرحتي بنجاحاتهم كبيرة. أما فرحتي اليوم بنجاحكم أيها الخريجون فأكبرُ وأعظم؛ لأن معهدًا عربيًا فتيًّا بفكر عروبي إنساني هو حاضنتُكم؛ ولأنه كان لي شرفُ العمل في هذا المعهد في فترة هي، في رأيي، من أهم فترات حياة هذا الوليد.

إنَّ للمعهد عليكم، أيها الخريجون، حقَّ الأم على أبنائها. حقُّها عليكم أن تَبرّوا بها؛ والبرُّ هنا هو أن يبقى الأبناءُ صادقين على الوفاء برسالة الأم المعطاء. رسالةُ المعهد، كما تعرفون، رسالةٌ تنمويةٌ بأوسع معاني الكلمة. نماءُ الفرد معرفيًا وفكريًا ومهاراتيًا في عالم يتصاعد فيه التشبيكُ، ويزداد الغموضُ فيه غموضًا، وتتعقد فيه الأمور بتسارع تزيغ له الأبصار. ونماءُ الفرد أخلاقيًا بفهمه لواقعه، وفي قدرته على التسامي على وسوسات الذات المنكفئة على نفسها ورغباتها، وفي تماديها في الاعتقاد أنّ بؤرةَ بؤرتِها هي موقعُ الحق والحقيقة والاستحقاق. ونماءُ المجتمع بكل مكوناته، وبحركته الدائمة التي إنْ خرجت عن مساراتها باسم التنمية ذاتها، أودت بنماء المجتمع إلى مآلاتٍ لا تُحمد عقباها. وما كارثتُنا البيئيّةُ التي نعاين آثارها كل يوم إلّا مثالًا واحدًا على عُنجهيّةِ هذه التنميةُ الضروسُ التي تأكل ولا تذر.

نعم؛ نحن في حاجة إلى الأطباء والمهندسين وإداريّي الأعمال، ولكنَّنا أيضًا في حاجة إلى الفيلسوف والمؤرّخ واللسانيّ والأديب وعالم الاجتماع، وغيرهم من المتخصصين في العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ نحن في حاجة إليهم، لنضمن لمجتمعاتنا صحّةً متوازنةً، بين مدٍّ وجزْرٍ من المصالح المتشابكة. وهنا تكمن رسالةُ معهدنا الذي انتصر للمستضعفات من العلوم، إيمانًا منه بأن التنويرَ الذي تنشُده كلُّ المجتمعات لا يمكن أن يتحقق من خلال الصنعةِ والتكْنَلجة والمكننة والأتمتة والرقمنة، على أهميتها في نماء المجتمع. إنّ التنويرَ في حاجة إلى السؤال الذي ينفجر في عقولِنا ويفجّرُ معه حدود المعارف التي اختزنتها؛ فتتآكل المسلّمات وتتهاوى القوالب الجاهزة، وتنفتح الآفاق الواعدة، دون الابتعاد عن الواقع الذي نعيش فيه ونسعى إلى إنمائه. فالواقعُ هو مختبرُ النظرية ومِحَكُّها.

أيها الخريجون،

أهنئكم بنجاحكُم مجددًا. وأهنئ أهليكُم ومحبّيكُم؛ من حضر منهم هنا، ومن يراقبكم من هناك بفرحة غامرة. فالمعهد في هذه اللحظة، ومن خلال هذه الاحتفالية، هو، وبكل معنى الكلمة، مصبُّ قلوبِ أمهاتكم وأبائكم وأجدادكم، وأزواجكم وإخوتكم وأخواتكم وخالاتكم وعماتكم، وعند البعض منكم، أبنائكم وبناتكم أيضًا. إنّ هذا الفيضَ مما تفيض به القلوبُ في هذه اللحظةِ البهيّةِ يلفُّنا جميعًا في هذه الليلة الرمضانية المباركة؛ فهنيئًا لنا بها جميعًا.

أيها الحضور الأفاضل الكرام،

اسمحوا لي أن أردد في نهاية كلمتي هذه وصفًا لمعهدنا أكرره في كل مناسبة مهمّة كاحتفاليتنا هذه: معهد الدوحة للدراسات العليا من قطر إلى قطر، ومن قطر إلى "بلاد العرب أوطاني"، وإلى ما تجاوزها جغرافيًا والتحم معها إنسانيًا. وهذا ما يحدوني لشكر كل من يدعم هذا المعهد على هذه الأرض الطيبة، قيادةً عهدتم حكمتها، وشعبًا نعمتم وننعم جميعًا بكرم ضيافته ودماثة أخلاقه. واقبلوا مني، أيها الأفاضل الكرام، هذا الاعتراف بالامتنان نيابةً عن أسرة المعهد كاملةً: من مجلس الأمناء، إلى أعضاء الهيئتين الأكاديمية والإدارية، إلى الطلاب الذين يقفون بين أيديكم، ومن وقف وسيقف بعدهم في مسيرة خيرٍ وتميّزٍ تقطِر بأفواج الخريجين.

أُرَحِّبُ بكم مجدّدًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركانه.

الأستاذ الدكتور ياسر سليمان معالي

رئيس المعهد بالوكالة

3 حزيران/ يونيو 2018