نشر في: 03/10/2018

ألقى الدكتور فهمي جدعان أمس الثلاثاء 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2018 المحاضرة الافتتاحية الثانية للعام الجامعي 2018/ 2019 في معهد الدوحة للدراسات العليا، بعنوان "مبادئ قاعدية مطلقة لأنوار عربية مستدامة". وأدار المحاضرة الدكتور ياسر سليمان معالي رئيس المعهد بالوكالة.

تطّرق جدعان  في محاضرته إلى البيئة الجوهرية للوجود وأشكالها المتباينة، وحالة الصراع الدائم الذي يجري والذي أطلق عليه "الاحتراق الكوني" والذي بدوره سيشكل حالة تجديد ذاتي. وتناول التطور التاريخي للتجربة العربية سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا. ثم استهل عرضًا تاريخيًا للحالة العربية يشرح فيه عملية الاحتراق الكوني المتولد عن التضاد والتناقض في مجالات عديدة، كما تطرّق إلى دور ما أسماه "التراث الحي" المحمول في اللغة وآدابها والجليّ في الآثار الفنية الباقية والعلوم الدينية والفقهية السائرة، وبيّن صموده في عملية الاحتراق التاريخية هذه. ورأى المحاضر أنّ الأمل هو الدافع الأساسي لهاجس التغيير والنهضة، ولكن هذا الأمل واجه العديد من التحديات، التي تولدت عنها دول وطنية مكبّلة بالتقليد وحاملة شعار التحديث في نسخته الزائفة. ورأى أنّه كان ينبغي أن يكون قدوم "الدولة الوطنية" أساسًا حاسمًا في تحقيق "مبدأ الأمل"، لكن هذه الدولة جاءت في الغالب الأعم عصية على مبادئ الدولة الوطنية الحقيقية.

وشخّص جدعان قصور مشاريع النهضة التي عرفها الوطن العربي، موجّهًا سهام النقد لتيارات عديدة حاملة لمشروع التغيير باختلاف مشاربها ومستعرضًا معاناة المجتمعات العربية التي سادها الاستبداد والفقر والفساد، حيث أكد أن الأزمة التي تعيشها المجتمعات العربية هي "أزمة قيم".

وفي معرض جوابه عن سؤال: ما الذي يعنيه هذا؟ أشار المحاضر إلى أهم الميزات التي ينبغي التحلّي بها للتحرر من التبعية والاستقلال السياسي، والتي تتجلى في مبادئ الحضور والاعتراف والأصالة الذاتية، الأصالة التي يراها جدعان هي التي تنبذ التقليد والنسج على مثال الآخرين أي تمثّل مبدأ الخلق والإبداع وتوجيه الفاعلية الذاتية عن طريق التجديد والتميز والفرادة والحرية والتعبير عن الأنا أو الذات الفردية وعن الذات الجمعية بمفاهيم وآليات مبتدعة ومستنبطة من المعطيات المباشرة الحية لا من خلال آليات العوالم الثقافية والاجتماعية والسياسية الأخرى ومناهجها ومعطياتها ونظمها.

في هذا الصدد أكدّ المحاضر أن الأصالة الذاتية تقترن اقترانًا شديدًا بالأسس والأهداف الجوهرية لمعهد الدوحة للدراسات العليا الذي يرى فيه تفردًا في العالم العربي وفاتحة خير، مشددًا على ضرورة استنطاق منهج أصيل في العلوم الإنسانية والاجتماعية من خلال معطيات مباشرة تنطلق من الواقع. كما طالب جدعان في محاضرته بضرورة التنبه لعملية استيراد المذاهب والمناهج الغربية وزرعها في مجتمعاتنا من دون تمحيص وفحص. مركّزًا على ضرورة توخّي الأصالة والإبداع والتميز والحضور الفاعل من خلال إبداع فلسفات خاصة ومبتكرة تنظر مباشرة في مجتمعاتها لتنتج ولادة جديدة للتنوّر والأنوار.

اختتم الباحث محاضرته بتأكيد أهمية إحداث التغيير الضروري والتقدم الحيوي والوجودي في الإنسان العربي، ووضْع حدّ لحالة الاغتراب التي تتلبس الكاتب والمثقف والباحث والفيلسوف والمفكر والعالم، وتوجيه الجهود والطاقات إلى النظر في آلاف القضايا الدقيقة التي تمس البنى العميقة للحياة الإنسانية والاجتماعية. وهذا يحتاج بحسب فهمي جدعان إلى البحث العلمي الأصيل الخلّاق والتعويل على "الموجة الجديدة" من الطاقات العربية الشابة التي لم يَفها السابقون حقها من التقدم والنجاح.

وقد أعقبت المحاضرة مداخلات وأسئلة وتعليقات أسهمت في مجملها في فتح آفاق جديدة للتفكير والبحث حول القضايا التي جرى إثارتها.

* الدكتور فهمي جدعان، أستاذ زائر في برنامج الفلسفة- معهد الدوحة للدراسات العليا.