نشر في: 11/11/2018

عَقد برنامج علم الاجتماع والأنثروبولوجيا سيمناره الأسبوعي في معهد الدوحة للدراسات العليا ، يوم الخميس الموافق 08 نوفمبر 2018، على الساعة الثانية عشرة ظهرًا. تحث عنوان : "الألبومات الفوتوغرافية الشخصية والعائلية كسير اجتماعية فلسطينية". استهل السمينار بتقديم الدكتور "المولدي الأحمر" ، حيث تركزت  كلمته حول علاقة علم الاجتماع بالتاريخ في التجربة المعرفية العربية، معتمدا ابن خلدون كمثال تجريبي، وموضحا كيف أن الحل الخلدوني في معالجة مشاكل التأريخ، من خلال تأسيس علم العمران، تطور لاحقا في الحقل الفرنسي مع الدوركايمين ومع مؤسسي مدرسة" الحوليات". وحسب الدكتور "المولدي الأحمر" تقول القاعدة الخلدونية أن المؤرخ مطالب بتمحيص الأخبار على قواعد أحوال الأخبار. فإن وجد توافقا بين الخبر وما تفرضه هذه الأحوال اعتمده، وإن تعذر ذلك تركه.   

جَاءَت المداخلة المركزية لمحاضرة الدكتور " عصام نصار"  بعنوان " موثقي الذاكرة: الألبومات الفتوغرافية كمصادر لدراسة المجتمع الفلسطيني "، وهي مداخلة تقوم على جعل الصورة مدخلا للتحليل، أو بعبارة أخرى صيغة لدراسة التاريخ الفلسطيني الاجتماعي. انطلق الدكتور من أربعة اعتبارات أساسية: أولاً؛ أن الألبوم الفوتوغرافي المكون من الصور الفوتوغرافية يعد شيئا ماديا له قيمة في ذاته. ثانيا أنه إنتاج زمن معين وتكنولوجية وثقافة ومُصُوِر. ثالثًا أن الصور الفوتوغرافية تُظهِر مواضيع يمكن للمؤرخ دراسة فحواها بوصفها سيرة للوضعيات والتفاعلات التاريخية الاجتماعية.

شَخّص المحاضر هذه الاعتبارات،  في دراسته ألبوم " ناصف جوهرية " (فلسطيني من سكان القدس)، معتمدا مقاربة تنطلق من الفرد –صاحب الألبوم- لتشمل التمثلات والعلاقات الاجتماعية المضمنة في الصورة، وإن كانت كذلك بشكل يكاد يكون عفويا. وقد حاول المؤرخ البحث عن روابط بين الألبوم المصور والمذكرات اليومية التي كتبها ناصف جوهرية عن تجربته الحياتية. كما بين كيف أن الألبوم موضوع الدراسة يُشَخصن بشكل فوتوغرافي "تاريخ فلسطين المصور في العهد العثماني (تحديدا القدس)"، إذ شمل مجموعة من الصور للأعيان العثمانيين والعسكريين، وكذا مجمل الديناميات الاجتماعية التي عرفتها القدس في تلك الحقبة، مع تسجيله فوتوغرافيا لمؤشرات تحيل إلى "ثورة الحرية للشبان الأتراك" ممثلة بصور للاحتفالات التي جرت بمناسبة الانقلاب على الخلافة العثمانية تَحْتَ سُلطة "السلطان عبد الحميد"، وهذا رغم علاقة ناصف جوهرية المزدوجة بجمال باشا، أحد منفذي الانقلاب، إذ وصفه بالسفاح رغم إعجابه به. كما تَضمّن الألبوم جملة من الصور الخاصة بالزيارات العثمانية لمدينة القدس تعكس حياة الأعيان في المدينة.

يَكشِفُ الباحث "عصام ناصر " في تفاعله مع هذه المادة الفوتوغرافية، على وجود مجموعة من الملاحظات المعرفية والمنهجية لها وعليها في آن واحد، حيث يرى أن هناك تداخلا بين اليوميات التي كتبها عن فلسطين وألبوم الصور، وكذات تداخل بين الذاكرة الجمعية الفلسطينية والسيرة اليومية في مذكراته. بالإضافة إلى هذا، يرى الباحث أن صاحب الألبوم لم يذكر مصدر الصور بشكل دقيق، علاوة على أنه لم يكن مصورًا. كما وضح المحاضر، من خلال الصور الموجودة في الألبوم، وجود تعددية دينية في مرحلة الحكم العثماني، وأنه لم يكن حكما  إسلاميا صِرفا. أخيرا ركز الباحث على شخصية المبحوث في الصورة، وعلاقتها بالتعاليق التي يكتبها، حيث لاحظ أن المبحوث يقدم  ذاته عبر الصورة كشخصية مهمة، ذات شأن اجتماعي كبير، وتنتمي للنخبة الاجتماعية  العثمانية الحاكمة، رغم أنه لم يكن كذلك من منظور موارده المادية والاجتماعية. وقد سعى إلى ذلك من خلال وضع نفسه ضمن الأحداث، ليصبح جزء لا يتجزأ من حدث الصورة.

وأعقب السيمنار جملة من المداخلات النقاشية المهمة تناولت قضايا المنهج، جمعت بين الطلبة والأساتذة والباحثين الحاضرين، مع التشديد على الأهمية العلمية للصورة الفتوغرافية في توثيق التاريخ الاجتماعي.