يسرني ونحن نحتفل بمرور خمسة أعوام على إنشاء معهد الدوحة للدراسات العليا، وتخريج الفوج الرابع من طلابه، أن أعبر عن سعادتي على ما تحقق من نجاح وإنجازات، تمثلت في تأسيس المعهد، وتثبيت أركانه، وبناء مؤسساته، وإرساء أسس العمل فيه بما مكنه أن يحقق الاعتراف الدولي والمكانة المتميزة عربيًا. فخلال هذه السنوات القليلة، شهدنا تحقق مقتضى رؤية المعهد التي وضعت هدفًا استراتيجيًا ملخصه "تحقيق التميز العالمي عربيًا، والتميز العربي عالميًا" فالمعهد يتعاون مع المؤسسات العلمية في قطر والوطن العربي لرفع مستوى التعليم العالي عربياً بحيث ينافس أعلى المستويات عالميًا، ويجتهد لعكس صورة إيجابية عن الإمكانيات والمساهمات العربية عالميًا. وقد أصبح اليوم يتمتع أيضاً بالاحترام الدولي، وله شراكات مع جامعات مرموقة في الأمريكيتين وأوروبا وآسيا وإفريقيا، وبالطبع في مختلف الدول العربية. وقد التحق العديد من خريجيه ببرامج دكتوراه في جامعات معروفة، والكثيرون منهم يعملون بتميز في مجالات مختلفة -في القطاعين العام والخاص في قطر والعالم العربي والغربي- جامعية، ودبلوماسية، وإعلامية وإدارية، وتربوية، وصحية-اجتماعية، واقتصادية، وإنسانية، ونظامية، إلخ. وقد حققت برامج المعهد الاعتماد من مؤسسات اعتماد دولية، مما مثّل إنجازًا آخر لهذه المؤسسة خلال هذه الفترة الوجيزة.

وكان من مظاهر النجاح الإقبال الكبير من الطلاب على التقدم للمعهد، حيث تضاعف عدد المتقدمين مما يزيد قليلًا على الألف، إلى زهاء تسعة آلاف في العام الحالي. كذلك تضاعف عدد الطلاب المقبولين حيث بلغ 269 هذا العام، أكثر من ثلثهم من قطر. زاد عدد البرامج من عشرة برامج عام 2015 إلى ثمانية عشر حاليًا. ويستعد المعهد الآن لإطلاق برنامج للدكتوراه، الذي اكتملت التجهيزات له وحصل على موافقة وزارة التعليم والتعليم العالي في قطر.

وقد كانت أحد أهم عوامل النجاح رؤية المعهد، واجتهاده في تقديم مساحة متفردة في العالم العربي لتدريس وتطوير العلوم الاجتماعية والإنسانيات، وعلوم الإدارة العامة واقتصاديات التنمية. وقد تعزز هذا باستقطاب أساتذة من كافة أنحاء العالم، على أساس تنافسي مفتوح، تميزوا بالكفاءة العالية والحماس لهذه الرؤية. وبنفس القدر، استقطب المعهد كوادر إدارية تمتعت بالكفاءة والتفاني في العمل. هذا إضافة إلى فتح المعهد أبوابه، بصيغة تنافسية أيضًا، للطلاب من قطر وكافة أنحاء العالم العربي، وتوفير بيئة نموذجية لتلبية التطلع إلى كسب وتحصيل المعرفة وفق أفضل المعايير الدولية، مستفيدين من علم وخبرة أساتذة لهم طموحات مماثلة وإنجازات مشهود لها.

جاء تأسيس معهد الدوحة للدراسات العليا في عام 2015 استجابة لحاجة علمية وأكاديمية ونهضوية ملحة، تتمثل في تطوير العلوم الاجتماعية والإنسانيات في الوطن العربي. ورغم أن تطوير العلوم الحديثة عمومًا، والتعليم العالي خصوصًا، ظل أولوية عربية منذ بدايات عصر النهضة، إلا أن العلوم الاجتماعية والإنسانيات لم تحظ بما تستحقه من اهتمام ودعم لأسباب كثيرة. ومن هذه تركيز بناة الدولة الحديثة على العلوم التطبيقية، وأيضًا إقبال الطلاب عليها وعلى التخصصات المهنية، لما تتيحه من جاه اجتماعي ومجالات توظيف أفضل. من جهة أخرى فإن ضيق مساحات الحرية الأكاديمية المتاحة في معظم الدول العربية لم توفر المناخ الملائم لتطوير العلوم الاجتماعية والإنسانيات، بسبب حاجة الأخيرة إلى النقاش الحر المفتوح، والبيئة الاجتماعية المساندة.

وقد أصبحت تجربة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (أنشِئ عام 2010) مجالًا خصبًا لمواجهة تحديات أسئلة النهضة عبر نشاط بحثي رائد، ومداولات متعمقة حول هموم الواقع العربي المعاصر. وتزامنت نشأة المركز مع مظهر آخر من مظاهر التوق إلى نهضة عربية طال انتظارها، تمثلت في ثورات الشعوب التي فاجأت الجميع، وأظهرت ضعف المعرفة بواقع المجتمعات العربية الذي أخذ يتطور رغم القمع وضده. وقد أثبتت الانتفاضات كذلك توق الشباب العربي المستنير إلى التغيير الإيجابي. وقد انعقد العزم عند إدارة المركز العربي، بعد مداولات شملت قطاعًا واسعًا من العلماء والمفكرين من كل دول المنطقة ومختلف التخصصات والتوجهات، على إنشاء هذه المؤسسة الرائدة التي وقع الإجماع على أهميتها وضرورتها.

وقد أكدت الرؤية  المتميزة التي قام عليها المعهد على البناء على أحدث إنجازات المعرفة الإنسانية المعاصرة، دون أن يتناقض هذا مع تبني نظرة نقدية تجاه هذه الإنجازات، ولا مع تعزيز الطموح لدى الدارسين والباحثين لتقديم مساهمات أصيلة ترفد هذه المعرفة وتطورها. فلا ينبغي أن يكون العرب بمثابة المتلقي والتلميذ، وإنما يجب أن يكون الهدف تحقيق الندية في مجال إنتاج المعرفة، خاصة ما يتعلق منها بواقعنا وثقافتنا ولغتنا. ولهذا فإن الشراكة الاستراتيجية بين معهد الدوحة والمركز العربي (ومعه معجم الدوحة التاريخي)، مهمة لتحقيق هذه الأهداف. ويتم ذلك عبر تبني اللغة العربية كلغة تدريس، دون أن يعني ذلك إهمال اللغات العالمية، خاصة اللغة الإنكليزية، التي يشترط إتقانها للقبول. وتنطلق هذه السياسة اللغوية من إيمان بأن توطين العلوم عربيًا، وتطوير اللغة العربية كأداة تعليم وتعلم، هما مفتاح النهضة العربية. وتهدف الشراكة إلى تحفيز البحث، وتنظيم الملتقيات العلمية، وإنتاج دراسات رائدة في مختلف مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانيات.

وخلال العامين الماضيين، انطلقت مبادرات لنشر بحوث المركز باللغة الإنكليزية، إضافة إلى ما يقوم به أساتذة المعهد، وعدد من باحثي المركز وفروعه في أوروبا وأميركا من نشر أبحاث أصيلة باللغات الأجنبية. ويعزز هذا مع الشراكات الدولية والتواصل مع الباحثين من شتى أنحاء العالم، المكانة الدولية للمعهد والمركز في ساحات إنتاج المعرفة، والحوار الأكاديمي عالميًا من موقع ريادي.

ولا تقتصر مساهمات المعهد على الجانب النظري، بل تعطى أهمية كبيرة للجانب العملي، خاصة في تخصصات مثل علم النفس، والعمل الاجتماعي، ودراسات النزاع والعمل الإنساني والصحافة. فهنا يعتبر التدريب العملي جزءًا لا يتجزأ من الدراسة. ونفس الشيء يتم في مجال الإدارة العامة والسياسة العامة واقتصاديات التنمية، حيث تتضمن المقررات التدريب العملي.  وقد أطلق المعهد كذلك عددًا من البرامج التنفيذية في مجالات الإدارة العامة، والدبلوماسية، إضافة إلى برنامج تنفيذي مزدوج في إدارة الأعمال والإدارة العامة، بالاشتراك مع المدرسة الأوروبية للإدارة والتكنولوجيا في برلين (The European School of Management and Technology, ESMT). ويساهم الانخراط في المجال العملي في تعزيز سياسة المعهد في التفاعل مع المجتمع القطري، وخدمة المجتمع، وهو هدف محوري آخر من أهداف المعهد.

وقد واجه المعهد وهو يخطو خطواته الأولى تحديات كبرى، فوق التحدي الأساس الذي مثّله مشروعه الطموح، وعلى رأسها التحديات التي واجهتها دولة قطر من حصار واستهداف. وقد بدأنا العمل ومباني المعهد الحالية لم تكتمل بعد، وهو الآن يحتل مبنى يعتبر تحفة معمارية، يوفر مجال الدراسة، وكذلك السكن للأساتذة والطلاب.  وفي هذه الأيام، يواجه المعهد مع قطر والعالم كله جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، وآثارها القريبة والبعيدة المدى. وقد غيرت هذه الأزمة وجه العالم، وبالأخص المؤسسات التعليمية التي تواجه تحديات غير مسبوقة. ولحسن الحظ فإن المعهد قد تأقلم بسرعة، حيث واصل مسيرته التعليمية بعد انقطاع يوم واحد فقط، خُصص للتدريب على التقنيات الجديدة. ولكن الوباء ما يزال يمثل تحديًا للعملية التعليمية، حيث يتابع المعهد مع الجهات المختصة من صحية وتعليمية آثاره وكيفية التعامل معها. وفي نفس الوقت، نفذ المعهد إجراءات للتعامل مع الجانب المالي للأزمة، بما لا يؤثر على جوهر العملية التعلمية ومتطلباتها. ونأمل أن يحقق المعهد، ومعه دولة قطر، نجاحًا آخر في التعامل مع الوباء وآثاره، تضاف إلى ما سبق من نجاحات.

وهذه بالطبع مناسبة لكي نزجي الشكر لدولة قطر وشعبها المضياف على الدعم الكبير الذي ما كان هذا المشروع ليحقق ما حقق من نجاح بدونه. ولا نعني هنا فقط احتضان قطر للمعهد، وتوفير مقومات نجاحه، ودعمه ماديًا ومعنويًا. فمعروف أن إقامة مؤسسة علمية بهذا الحجم والطموح لا تتحقق بمجرد توفير المباني والدعم المالي. فلا بد كذلك من توفير مناخ يتيح للعلم أن يزدهر وينمو. وهذا ما توفره قطر بتبنيها سياسة تعطي العلم مكانته. ومن هذا المنطلق فإن نجاح المعهد يعتبر إنجازًا آخر لقطر، يعزز من موقعها كفضاء رائد لتطوير التعليم وتجويده.

ولا أنسى كذلك أن أزجي هنا الشكر والتقدير لسلفي في رئاسة المعهد، الأكاديمي المتميز، والصديق العزيز، الدكتور ياسر سليمان معالي، الذي كانت له مساهمة مشهودة ومقدرة في تحقيق نجاح المعهد. أحيي وأشكر كذلك الجيل الأول من المؤسسين، خاصة العمداء السابقين، الدكتور رشيد العناني، سلفي في عمادة كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، وكل من الدكتور حسن علي والدكتور فيصل المنصوري، العمداء السابقين لكلية الإدارة العامة واقتصاديات التنمية، والدكتور سليمان أبو بدر، العميد السابق لكلية علم النفس والعمل الاجتماعي. أخص بالشكر والعرفان أيضًا من جيل المؤسسين الدكتور عبد الرحيم بنحادة، أستاذ التاريخ حاليًا، والعميد السابق لشؤون الطلاب، والدكتور إيليا زريق، رئيس برنامج علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الأسبق، والدكتور حميد دباشي، الأستاذ بجامعة كولومبيا، الذي عمل مستشارًا وأستاذًا زائرًا بالمعهد في السنوات الأولى. فلهم جميعًا، ولكثير ممن لم يتسع المقام لذكرهم، من الشكر أجزله.

أخيراً وليس آخراً، نشكر أعضاء مجلس الأمناء، السابقين والحاليين، ورئاسة المجلس، لأنهم من طرح الرؤية التي أصبحت أساس نجاح المعهد، ويسهرون على تمسكه بأعلى المعايير. فلهم كذلك التحية والشكر.

 

الدكتور عبد الوهاب الأفندي

رئيس المعهد بالوكالة ونائب الرئيس للشؤون الأكاديمية